غاندي، لا غيفارا
أدونيس
1
أُعجَب كثيرًا بشخص غيفارا، بحضوره الجمالي، بحبِّه للحياة والمرأة. غير أنني لا أُعجَب بالطريقة التي اتَّبعَها في العمل التحرري
تحرريًّا، أفضِّل غاندي: رؤيةً، ومنهجًا، وممارسة.
أرفض العنفَ بأشكاله جميعًا. مهما كانت أهدافُه. مهما كانت مسوِّغاتُه. سواء كان فرديًّا أو جماعيًّا.
ثم إنني أفضل، في كلِّ عمل تحرري، أن يشارك الشعبُ كله في النضال، لا أن يقتصر هذا النضال على مجموعة من الأفراد، أيًّا كانوا.
غيفارا: عصبة، طبقة، فئة، طليعة، إلخ، تمارس العنف.
غاندي: الشعب كله، في تنوع فئاته ووحدتها، مسلَّحًا بالسلام والانفتاح على الآخر.
ومع أننا، ثقافةً وممارسة، أقرب إلى غيفارا منَّا إلى غاندي، فإنني ممَّن يقولون: لسنا في حاجة إلى غيفارا؛ نحن في حاجة إلى غاندي.
لقد أثبتتِ التجربةُ أن مثال غيفارا كان طريقًا ملكية لتهديم طاقاتنا، لتخريب حياتنا، لتبديد ثرواتنا، لفشلنا، ولتشويه وجودنا وحضورنا في العالم.
إن للحرية، هي كذلك، سلاحَها.
لكنْ، منذ أن يلبس هذا السلاحُ رداءَ العنف، ينقلب إلى عدوٍّ للحرية نفسها: يصبح نوعًا من العدوان على الذات والآخر، معًا.
لا سلاح للحرية إلا الحرية – إلا السلام.
أكرِّر: نعم، نحن في حاجة إلى غاندي، لا إلى غيفارا.
2
ما من أحد يطلب منَّا، نحن العرب، أن نكون حكامًا عادلين. أن نكون سياسيين عظماء. أن نكون علماء كبارًا في الذرة أو في غيرها. أن نكون فلاسفة أو شعراء أو فنانين.
ما من أحد!
لكن الجميع يطلبون منَّا أن نكون حكامًا غاشمين. أن نكون فاسدين مُفسِدين. أن نمجِّد العنف. أن نخطِّط لينفي بعضُنا بعضًا، وليقتل بعضُنا بعضًا. أن نفتقر، ونهاجر، ونتمزق.
وهو طلب لا نكتفي، فيما نلبِّيه، بأن ننفِّذه برغبة كاملة، وإنما ننفِّذه كذلك بمتعة كاملة!
قل لي،
مَن أنت، أيها العربي الذي يسكنني؟!
3
لو شئنا أن نحاكم أنفسَنا وأعمالَنا وأفكارَنا، نحن العرب، منذ أواسط القرن العشرين المنصرم حتى اليوم، لقلنا – إن كنَّا صادقين:
لم نكن أسيادًا على حياتنا طوال هذه الفترة. ولم يكن وجودنا إلا
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ